أحمد بن علي القلقشندي

478

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

على عادة من تقدّمه وقاعدته ومعلومه الشاهد به الديوان المعمور : لأنّه طالما باشر نظر بيت المال فوفّر الأموال ، وأصلح ما فسد من الأحوال ، وسدّد بحسن تدبيره الأقوال والأفعال ، وأظهر من الأمانة ما تميّز به في مباشراته ، وفاق به على قرنائه وأهل زمانه وأوقاته ، ثم باشر الحسبة فسلك فيها مسلك السّرّ والجهر وصدق الخبر ، وسلك مسلك أمير المؤمنين عمر . فليباشر هذا النّظر بقلب منشرح ، وأمل منفسح ، وليظهر فيه ما جرّب به من الأمانة ، وتجنّب الخيانة ، وليجتهد في تحصيل أموال الدّيوان المعمور ، ويبسط قلمه في إصلاح الأمور ، وليوصّل إلى أرباب المرتّبات ما هو لهم مستحق ، فإنّهم به أولى وأحق ، وليوصّل إليه معلومه أوان وجوبه واستحقاقه . . . توقيع بمشارفة حصن الأكراد ، كتب به للقاضي « بدر الدين » ب « المجلس العالي ؛ وهو : رسم بالأمر الشّريف - لا زالت مراسمه العالية تولي الأنام برّا ، وتجدّد بإسباغ الإنعام بشرا ، وتضوّع في كلّ ناد من أندية الثّناء والدعاء نشرا ، وتطلع في كلّ أفق من آفاق السّيادة من صدور الأعيان وأعيان الصّدور بدرا - أن يرتّب فلان في مشارفة حصن الأكراد المحروس : لما هو عليه من العفّة والصّلف ( 1 ) ، والنّزاهة الَّتي عرف بها واتّصف ، والرّآسة الَّتي انتقلت إلى الخلف عن السّلف ، والعدالة الَّتي لا يتكلَّف لسلوك نهجها : ومن العجب خلوّ البدر عن الكف ! ، كم حفظت بمباشرته الأموال ، وصلحت بملاحظته الأحوال ، وعقدت الخناصر على سيرته وحسن سيره ، واشتهر بجميل تدبير أوجب تقديمه على غيره .

--> ( 1 ) الصّلف هنا بمعنى الشدّة في الحق ، قياسا على الأصلف وهو الصّلب من الأرض . ( أنظر اللسان : 9 / 198 ) .